محمد الغزالي
72
فقه السيرة ( الغزالي )
وقد شبّه القران أحبار اليهود الذين يحملون التوراة ولا يتأدّبون بها بالحمير : مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً [ الجمعة : 5 ] . وهذه الطبائع التي تحمل العلم لا تصلح به إنّما تسيء إليه ، ولذلك يحسن الضنّ به عليها ، وفي الأثر : « واضع العلم عند غير أهله كمقلّد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب » « 1 » . ثم هناك الخرافيّون الذين يغالطون في الحقائق أنفسهم ، كأنّ عقولهم ميزان ثقلت إحدى كفتيه - لغير سبب - ؛ فهو لا يضبط وزنا أبدا ، ينبسطون للمستحيلات ويقبلونها ، ويتجهّمون للوقائع ويرفضونها . وقد بلونا أناسا ظلوا يتعلّمون قرابة عشرين سنة تعرض عليهم القضية فيخبطون فيها خبط عشواء ، فإذا عرضت القضية نفسها على أمّيّ سليم الفطرة ، نقيّ العقل ؛ صدع فيها بالحقّ لأول وهلة . ومعنى ذلك : أن هناك من تبذل في إقامة عوجه العقلي عشرين سنة ، حافلة بالبحث والدرس ، فتعجز عن الوصول به إلى مرتبة رجل أوتي رشده بأصل الخلقة . ونحن موقنون من مطالعة سيرة محمد عليه الصلاة والسلام بأنه طراز رفيع من الفكر الصائب ، والنظر السديد ، وأنّه - قبل رعي الغنم وبعده ، وقبل احتراف التجارة وبعدها - كان يعيش يقظ القلب في أعماء الصحراء ، صاحيا بين السّكارى والغافلين . وجوّ الجزيرة العربية يزيد خمول الخامل ، واحدّة اليقظان ، كالشعاع الذي ينمي الأشواك والورود معا ، وقد كان محمد صلى اللّه عليه وسلم يستعين بصمته الطويل . . . صمته الموصول بالليل والنهار ، صمته المطبق على الرمال الممتدة ، والعمران القليل . كان يستعين بهذا الصمت على طول التأمّل ، وإدمان الفكر ، واستكناه الحق . ودرجة الارتقاء النفسيّ التي بلغها من النظر الدائم أرجح يقينا من حفظ لا فهم فيه ، أو فهم لا أدب معه ، ومثله في احترام حقائق الكون والحياة أولى بالتقديم من أولئك الذين اعتنقوا الأوهام وعاشوا بها ولها .
--> ( 1 ) حديث ضعيف جدا ، علقه ابن عبد البر في ( جامع العلم ) : 1 / 111 ؛ ووصله ابن ماجة في سننه : 1 / 98 ، وفي سنده حفص بن سليمان وهو الأسدي القاري ، ال ابن خراش : « كذاب يضع الحديث » وضعفه غيره ؛ وقال أبو حاتم : « متروك » . وكذا قال الحافظ في التقريب .